العربية

واقع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية - الجزء الأول

هذا هو الجزء الأول من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء.

يرى العديد من المعلقين أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تتعثر رغم تفوق المُعتدين الناري الساحق، ويلقون باللوم في المقام الأول على إسرائيل، الشريك الأصغر لواشنطن، وعلى دونالد ترامب شخصياً، بدعوى أنه سمح لنفسه بالانجرار إلى صراع دون خطة استراتيجية لتحقيق النصر.

وتتمثل شكواهم الرئيسية في أن القيادة الإسرائيلية، ولا سيما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي طالما دعا إلى المواجهة مع إيران، وشبكات الضغط القوية المؤيدة لإسرائيل، تمارس نفوذًاً مفرطًا على السياسة الخارجية الأمريكية.

لكن الأطروحة التي تتمحور حول إسرائيل لا تستطيع أن تفسر كيف يمكن لدولة بلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، وبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 610 مليارات دولار، وهو أصغر بكثير من ناتج المملكة العربية السعودية، وجزء ضئيل من 30 تريليون دولار لأكبر اقتصاد في العالم والقوة العسكرية المهيمنة، الولايات المتحدة، أن تحدد التوجه الاستراتيجي لواشنطن - بعيداً عن مزاعم وجود مؤامرة صهيونية عالمية.

إن اختزال أسباب الحرب إلى مناورات اللوبي الإسرائيلي أو قرارات الحكومة الإسرائيلية يُهمّش الديناميكيات التاريخية والجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية والطبقية التي شكّلت الصراع. ويتجاهل هذا الاختزال استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، التي وضعها جهاز الأمن القومي التابع لترامب نفسه، ونصّت بوضوح تام على أن 'أمريكا ستظل دائمًا ذات مصالح جوهرية في ضمان عدم وقوع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو صريح، وأن يظل مضيق هرمز مفتوحاً'.

ويفصل هذا السرد الحرب عن جذورها التاريخية في المساعي الاستراتيجية طويلة الأمد للرأسمالية الأمريكية للهيمنة على الخليج العربي، وعن ارتباطها بالمواجهة الأمريكية الأوسع مع روسيا والصين، وعن المصالح الطبقية الموضوعية للأوليغارشية المالية الأمريكية. ويتخلى عن الإمبريالية كإطار تحليلي، ويقود إلى استنتاج مفاده أن الحل يكمن في إزالة النفوذ الإسرائيلي الخبيث واستبداله بسياسة خارجية 'جيدة' تدافع عن المصالح الأمريكية الحقيقية. كل ذلك يبقى غير مُصرّح به.

عند تطبيق هذا التحليل على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يتجاهل المعلقون الذين يركزون بشكل ضيق على نفوذ إسرائيل حقيقة أن الحرب تُشكل جبهة ثالثة في مواجهة عالمية ناشئة تشمل الحرب في أوكرانيا، واعتقال الرئيس مادورو في فنزويلا، وحصار كوبا - وهي جبهات تقع خارج أولويات إسرائيل الاستراتيجية. كما أنهم لا يتطرقون إلى استعدادات الولايات المتحدة للحرب ضد منافستها الرئيسية، الصين.

غالباً ما تُغفل تلك التحليلات احتياطيات الطاقة الهائلة في المنطقة، والتاريخ الطويل للتدخلات الإمبريالية البريطانية والفرنسية والأمريكية. كما تتجاهل اعتماد إسرائيل، منذ نشأتها، على قوة عظمى داعمة، والمشاريع الاستراتيجية التي يجري العمل عليها حالياً - مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) - المصمم لاستخدام ميناء حيفا الإسرائيلي لربط الهند والخليج وأوروبا لعزل إيران استراتيجياً ومواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية.

يعكس المنطق الذي يُحرك الحرب ديناميكيات الإمبريالية في عصر تتفاقم فيه الأزمة الرأسمالية. يتطلب فهم هذا الأمر دراسة الأهمية الجغرافية والتاريخية لفلسطين داخل بلاد الشام والتاريخ الفعلي لعلاقة القوى العظمى بإسرائيل.

صعود فلسطين إلى مستوى الأهمية الجيوسياسية

كان قرب فلسطين من قناة السويس، التي أحدث افتتاحها عام 1869 تحولاً جذرياً في التجارة العالمية، هو ما منح - تلك المنطقة الفقيرة الواقعة على شرق البحر الأبيض المتوسط ​​عند ملتقى أوروبا وآسيا وأفريقيا - موقعها الجيوسياسي المركزي. فقد اختصرت القناة بشكل كبير الطريق إلى الهند، قلب الإمبراطورية البريطانية، مما وسّع التجارة الدولية بشكل ملحوظ وجعلها رصيداً استراتيجياً.

عارضت بريطانيا المشروع في البداية، لكنها أدركت أهميته لاحقاً، فاشترت حصة 44% منه عام 1875. ثم انتهزت الفرصة التي أتاحتها ثورة ضد الحاكم لاحتلال مصر عام 1882، وسيطرت فعلياً على القناة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت فلسطين الحدود البرية لأهم شريان إمبريالي لبريطانيا، واعتُبر أي وجود منافس فيها - عثماني أو فرنسي أو ألماني - تهديداً.

في البداية، تمسكت بريطانيا بخيار الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت معظم الشرق الأوسط العربي، كمنطقة عازلة ضد روسيا. لكن بعد احتلال مصر، بدأت لندن بالبحث عن سبل لتأمين فلسطين، بما في ذلك اعتبار المستوطنات الصهيونية موقعاً حدودياً ذا أهمية محتملة. في ذلك الوقت، لم تكن لفلسطين حدود ثابتة: إذ أُديرت مناطقها الشمالية من بيروت، وجنوبها من القدس، في حين أُدير النقب وشرق الأردن من الحجاز (التي أصبحت فيما بعد جزءاً من المملكة العربية السعودية) وسوريا.

سعت الحركة الصهيونية، التي أسسها تيودور هرتزل عام 1897، إلى إقامة دولة قومية يهودية في فلسطين التاريخية كحلٍّ لمعاداة السامية في أوروبا. جمعت الحركة بين التمسك الديني بصهيون والقومية الحديثة، وهدفت إلى بناء دولة رأسمالية من خلال الهجرة وشراء الأراضي وتطوير المؤسسات. تباينت التصورات حول حدود الدولة المنشودة، وكان أكثرها تطرفاً تصور زئيف جابوتنسكي، زعيم التيار التحريفي، سلف حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، الذي شمل 'ضفتي نهر الأردن' - أي كامل أراضي إسرائيل الحالية، والأراضي الفلسطينية، والأردن.

لم يؤيد معظم اليهود الصهيونية؛ بل سعوا إلى التحرر في أوروبا أو هاجروا إلى الولايات المتحدة. كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين العثمانية مقيدة، وأدرك القادة الصهاينة أن النجاح يتطلب دعماً من قوة إمبريالية كبرى - بريطانيا، أو ألمانيا، أو فرنسا، أو الدولة العثمانية - لأن اليهود كانوا أقلية ضئيلة وياجهوا معارضة عربية متزايدة. لذلك تجنب القادة الصهاينة إصدار خرائط نهائية قبل الحرب العالمية الأولى، مدركين أن الحدود سيتم تحديدها من خلال دبلوماسية القوى العظمى.

عارض الماركسيون، بمن فيهم البلاشفة، الصهيونية باستمرار باعتبارها أيديولوجية قومية رجعية تُقسّم الطبقة العاملة اليهودية والعربية، وتُحوّل العمال اليهود بعيداً عن النضال الاشتراكي نحو التحالف مع الإمبريالية، ولا يُمكن تحقيقها إلا من خلال الاستيلاء الاستعماري على الشعب الفلسطيني. ناضل الحزب الشيوعي الفلسطيني في العقد الثالث من القرن الماضي من أجل وحدة العمال اليهود والعرب ضد الصهيونية والإمبريالية البريطانية، إلى أن قضت عليه الستالينية من الداخل، وانتهى به المطاف إلى انقسام على أسس عرقية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي كتاباته في العقد الرابع من القرن الماضي، وصف ليون تروتسكي المشروع الصهيوني بأنه طوباوي لأنه وعد بحل وطني لمشكلة متجذرة في الرأسمالية العالمية، ورجعي لأنه حوّل العمال اليهود عن النضال الطبقي العالمي إلى مشروع قومي مُتحالف مع الإمبريالية.

في مقابلة أجراها مع وكالة التلغراف اليهودية في كويواكان، المكسيك، في ديسمبر/كانون الأول 1937، جادل تروتسكي بأن قيام دولة يهودية في فلسطين لن يتحقق إلا بدعم القوى الإمبريالية. وحذر من أن المشروع الصهيوني سيؤدي إلى 'مواجهات دموية' وأن السكان اليهود سيعيشون 'في حالة حصار دائم'. وأكد أن الصهيونية لا تقدم حلاً حقيقياً لمعاداة السامية، وأن الصهيونية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الأساليب الاستعمارية والرعاية الإمبريالية، وأن خلاص الشعب اليهودي 'مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإسقاط النظام الرأسمالي'.

وفي عام 1947، نشرت الأممية الرابعة 'ضد التيار'، معارضةً قيام دولة إسرائيل، رداً على اقتراح الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين.

ثبتت صحة تلك التحذيرات. ففي أوائل القرن العشرين، انحازت الحركة الصهيونية في البداية إلى بريطانيا، القوة الإمبريالية المهيمنة، ثم تحولت لاحقًا نحو الولايات المتحدة عندما دفعتها أولويات بريطانيا في زمن الحرب وما بعدها إلى التقرب من الدول العربية.

دعمت بريطانيا الصهيونية لتأمين سيطرتها على فلسطين.

أصبحت بريطانيا أول راعٍ رئيسي للحركة الصهيونية خلال الحرب العالمية الأولى إذ خاضت لتي خاضت الحرب، جزئياً، بهدف السيطرة على الشرق الأوسط ونفطه. وفور دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا، سارعت بريطانيا إلى تفكيكها. وفي سبيل ذلك، أصدرت سلسلة من الالتزامات المتناقضة: وعدت باستقلال العرب لتأمين ثورة ضد الحكم العثماني؛ ووافقت سراً مع فرنسا على تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ؛ وخصصت فلسطين 'للإدارة الدولية' مع ضمان احتفاظ بريطانيا بأقوى موقع على الأرض.

أصدرت بريطانيا إعلان بلفور فيتشرين الثاني / نوفمبر 1917، بالتزامن مع تقدم القوات البريطانية في فلسطين، تضمن والتزاماً تعمدت أن يلف صيغته الغموض بـإنشاء 'وطن قومي للشعب اليهودي'. عكس ذلك تصميم بريطانيا على تأمين فلسطين في وجه النفوذ الفرنسي، واستخدام السكان المستوطنين الموالين كأداة للسيطرة الإمبريالية. كما لاقت الصهيونية استحسان المسؤولين البريطانيين كقوة موازنة للبلشفية. وقد صاغ ونستون تشرشل، وزير الإمداد العسكري آنذاك، القضية على أنها صراع 'من أجل روح الشعب اليهودي'.

أيد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون إعلان بلفور، ودعم لاحًقا انتداب عصبة الأمم على فلسطين (1922)، الذي رسّخ سيطرة بريطانيا. تضمن الانتداب بنود بلفور، واعترف بالوكالة اليهودية كممثل رسمي للجالية اليهودية، مُكلفًا بالتعاون مع الإدارة في بناء 'الوطن القومي'. وحصلت فرنسا على سوريا ولبنان، مُكملةً بذلك التقسيم الأنجلو- فرنسي للمقاطعات العثمانية الغربية.

كانت الدول الجديدة التي نشأت عن هذا التقسيم - فلسطين، وشرق الأردن، ولبنان، وسوريا - صغيرة ومُجزأة وغير قابلة للاستمرار اقتصادياً، الأمر الذي ضمن تبعيتها للقوى الاستعمارية. لم تكن فلسطين يوماً مقاطعة عثمانية موحدة؛ فقد رُسمت حدودها عبر مفاوضات دبلوماسية. وتحت ضغط فرنسي، استبعدت بريطانيا مرتفعات الجولان والمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. شمل الانتداب في البداية ضفتي نهر الأردن، لكن بريطانيا سرعان ما فصلت شرق الأردن عام 1922 لإنشاء إمارة تحت حكم الملك عبد الله الأول.

بحلول أوائل العقد الثالث من القرن العشرين، كانت بريطانيا أرست الإطار السياسي لمشروع استعماري صهيوني اعتقدت أنه سيُرسّخ حكمها في فلسطين ويؤمّن موقعها الاستراتيجي. وقد أرست البنية القانونية للانتداب، واعترافه بالوكالة اليهودية، وهندسته الإقليمية، جميعها الأسس لبناء الدولة الصهيونية تحت الحماية البريطانية.

على مدى العقدين التاليين للحرب العالمية الأولى، شجّعت بريطانيا وسلطات الانتداب نمو الحركة الصهيونية. سهّلت بريطانيا الهجرة اليهودية على نطاق واسع - حيث شكّل اليهود بحلول عام 1936 نحو 30%من السكان - وسمحت للوكالة اليهودية بالعمل كدولة بدائية مع منع ظهور مؤسسات فلسطينية مماثلة. مكّنت الأطر القانونية البريطانية الصهاينة من شراء الأراضي وتوطيد مؤسساتهم.

بحلول منتصف العقد الرابع من القرن العشرين، تجاوز رأس المال اليهودي في فلسطين رأس مال غالبية السكان العرب. بنى اليهود في فلسطين اقتصاداً منفصلاً، ممولًا برأس مال يهودي أوروبي، و بأموال لاجئين من ألمانيا النازية، وشبكات خيرية في الولايات المتحدة. وطوّروا بنوكاً، وتعاونيات، وصناديق تنمية، وصناعة، وخدمات، ومراكز حضرية - أبرزها تل أبيب.

أصبح الهستدروت، الاتحاد العمالي الصهيوني، منظمة اقتصادية رئيسية، أنشأت مصانع ومزارع وأنظمة رعاية اجتماعية وصحية، بالإضافة إلى التعاونيات. وانطلاقاً من التزامه بتكوين طبقة عاملة يهودية مكتفية ذاتًياً، عارض الهستدروت توظيف العمالة الفلسطينية، مما عزز الفصل الاقتصادي وزاد من حدة التوترات الطائفية.

في المقابل، ظل الاقتصاد الفلسطيني زراعًًا في معظمه. ومع قدرة محدودة للوصول إلى رأس المال الدولي وتركز الثروة في أيدي النخب المالكة للأراضي، كان الاستثمار في الصناعة ضئيلاً. وتمكنت المؤسسات الصهيونية، بدعم من السياسة البريطانية، من شراء الأراضي من الملاك الغائبين، مما أدى إلى تهجير الفلاحين وإخلاء قرى بأكملها.

أدت تلك التفاوتات الاقتصادية، إلى جانب تسارع الهجرة اليهودية، إلى اندلاع الإضراب والثورة العربية العامة (1936-1939) ضد الحكم البريطاني. وقمعت بريطانيا الانتفاضة بهمجية بالغة، فدمرت المنازل والمحاصيل، وسجنت ونفت القادة، وفتتت الحركة الوطنية الفلسطينية. كانت تلك ا الإطاحة بالقيادة الفلسطينية عاملاً حاسماً مكّن من إقامة الدولة الصهيونية لاحقاً وتهجير الفلسطينيين عام 1948.

مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، سعت بريطانيا – في محاولة منها لكسب الدعم العربي - إلى النأي بنفسها عن الصهيونية. ونقض الكتاب الأبيض الصادر عام 1939 سياساتها السابقة، إذ حدد سقفاً للهجرة اليهودية بـ 75 ألفاً على مدى خمس سنوات، وقيد بيع الأراضي، ورفض التقسيم لصالح قيام دولة فلسطينية مستقلة في غضون عشر سنوات بحكم مشترك بين العرب واليهود. وفرضت بريطانيا هذه القيود خلال الحرب، معتبرةً أي هجرة يهودية إضافية 'غير شرعية'، واحتجزت اللاجئين في قبرص.

رفض القادة الصهاينة الكتاب الأبيض، ودخلوا في صراع متصاعد مع الإمبريالية البريطانية بشأن قيود الهجرة وشروط أي تسوية مستقبلية. شنت منظمة الإرغون، وهي الفصيل المسلح للتيار اليميني التحريفي، هجمات إرهابية لإجبار بريطانيا على الانسحاب والضغط من أجل إقامة دولة يهودية على كامل فلسطين الانتدابية. عند هذه النقطة، حوّل ديفيد بن غوريون وغيره من الصهاينة العماليين البارزين استراتيجيتهم بشكل حاسم نحو الإمبريالية الأمريكية، وهو ما تم إضفاء الطابع الرسمي عليه في مؤتمر بيلتمور عام 1942 في نيويورك، الذي مهد الطريق للدور الأمريكي الحاسم في الفترة 1948-1947

الدعم الأمريكي لتقسيم فلسطين

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تعد بريطانيا قادرة على احتواء الصراع في فلسطين. فبعد أن أنهكتها الحرب، وأفلست مالياً، وواجهت ثورات مناهضة للاستعمار في جميع أنحاء إمبراطوريتها، حلت الولايات المتحدة محلها كقوة إمبريالية مهيمنة في الشرق الأوسط. رُفض اقتراح بريطانيا بإنشاء دولة ثنائية القومية من قبل العرب واليهود على حد سواء، وأحالت لندن القضية إلى الأمم المتحدة، متوقعة استعادة السيطرة من خلال وصاية دولية.

رأت واشنطن فرصة لإعادة تشكيل المنطقة بما يتماشى مع مصالحها. بحلول عام 1947، انهار التحالف الذي نشأ في زمن الحرب بين القوى الإمبريالية والاتحاد السوفيتي، وبرزت الحرب الباردة وتصاعدت حدتها إلى مواجهة. أعلن مبدأ ترومان (آذار /مارس 1947) الدعم الأمريكي لليونان وتركيا ضد 'التخريب الشيوعي'، مستهدفاً بشكل صريح النفوذ السوفيتي في شرق المتوسط. هد مشروع مارشال (حزيران /يونيو 1947) إلى إعادة بناء الرأسمالية في أوروبا الغربية وتوطيد الهيمنة الأمريكية في أوروبا. كانت القضية الفلسطينية جزءاً من صراع أوسع لتأمين نفط المنطقة وطرق التجارة واستثمار موقعها الاستراتيجي.

أدى انسحاب بريطانيا إلى فراغ استراتيجي سارعت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى ملئه. وبمجرد أن أنشأت الأمم المتحدة اللجنة الخاصة بفلسطين (UNSCOP)، استغلت الولايات المتحدة موقعها المهيمن لتشكيل توصياتها وضمان تقديم التقسيم - دولتان غير متجاورتين مع القدس تحت إدارة دولية - باعتباره الحل 'العملي' الوحيد، لا سيما لأزمة اللاجئين التي أعقبت اضطهاد اليهود في مناطق هيمنة النازي.

وكانت الولايات المتحدة منعت الهجرة اليهودية واسعة النطاق خلال تلك المرحلة. فقد رأت في الدولة اليهودية وجهةً للاجئين الأوروبيين ووسيلةً لفرض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط على حساب بريطانيا وفرنسا، ومنع التغلغل السوفيتي، ومواجهة القومية العربية التي هددت سيطرة الولايات المتحدة على النفط، وإنشاء دولة استيطانية تعتمد على الدعم الغربي.

استخدمت واشنطن الضغوط الدبلوماسية، وحشد الأصوات في الأمم المتحدة، وسياسة اللاجئين، والتنسيق الوثيق مع المنظمات الصهيونية، لضمان أصوات الدول الصغيرة لصالح خطة التقسيم في نوفمبر/تشرين الثاني 1947، ولتسهيل التوطيد السريع لدولة يهودية، مُغلّفةً بشعار المسؤولية الأخلاقية بعد المحرقة. ومنحت أمريكا اعترافاً فعلًًا بإسرائيل في غضون دقائق من إعلان استقلالها في 14 مايو/أيار 1948.

ورسّخ دعم الرئيس هاري إس. ترومان في تلك اللحظة التأسيسية - سياسياً ودبلوماسياً ولاحقاً عسكرياً - مكانة الولايات المتحدة كضامن خارجي رئيسي لشرعية إسرائيل وأمنها. وشكّل ذلك الدعم النظام الإقليمي الذي تلا ذلك، وحدّد تحالفات الولايات المتحدة، ومواجهتها للقومية العربية، ودورها طويل الأمد كقوة إمبريالية مهيمنة في الشرق الأوسط.

خيانة ستالين: التحول إلى دعم التقسيم وقيام الدولة الصهيونية

لعبت البيروقراطية الستالينية في الاتحاد السوفيتي دور الداعم الثاني للدولة الصهيونية. وقد عكس تحول جوزيف ستالين المفاجئ في أبريل/نيسان 1947 لدعم تقسيم فلسطين الضغوط المتزايدة للحرب الباردة الناشئة. وحتى ذلك الحين، كانت موسكو متحالفة إلى حد كبير مع الدول العربية في معارضة التقسيم وصعود الحركة الصهيونية المرتبطة تقليدياً ببريطانيا. ولكن مع تعمق المواجهة التي أعقبت الحرب مع لندن وواشنطن، أعاد ستالين تقييم فلسطين من منظور هجوم إمبريالي متصاعد.

ورأى في إنشاء دولة يهودية وسيلة لإضعاف النفوذ البريطاني، وتحدي الولايات المتحدة، وترسيخ موطئ قدم له في الشرق الأوسط. في ذلك الوقت، استخدمت قطاعات كبيرة من القيادة الصهيونية - بما في ذلك حزب ماباي بزعامة بن غوريون، والحركة الصهيونية العمالية الأوسع - خطاباً اشتراكياً، بل وحتى ماركسياً. قدّمت حركة الكيبوتسات، والهستدروت النقابية، والروح العامة للصهيونية العمالية، نفسها على أنها تقدمية وجماعية. وربما يكون ستالين ومستشاروه قد حسبوا أنه يمكن جر الدولة الإسرائيلية الجديدة إلى فلك الاتحاد السوفيتي لتكون بمنزلة موطئ قدم 'اشتراكي' اسمي في الشرق الأوسط.

تبين أن ذلك كان خطأ فادح: ففي غضون عام من تأسيسها، انحازت إسرائيل بقوة إلى الإمبريالية الأمريكية.

لم يكن لمعارضة ستالين السابقة للصهيونية أي صلة بالدفاع عن مصالح الشعب اليهودي، ناهيك عن تبني موقف مبدئي بشأن القضية القومية في فلسطين. بل على العكس، نظر النظام السوفيتي بعين الريبة إلى الناجين اليهود من معسكرات الاعتقال النازية: فقد أمضى الكثير منهم فترات في دول غربية، أو كانت لهم صلات بيهود من خارج الاتحاد السوفيتي، أو نُظر إليهم على أنهم ناقلون محتملون للنفوذ 'العالمي'. وفي اللحظة التي دعم فيها ستالين إقامة دولة يهودية في فلسطين، شنّ حملة معادية للسامية شرسة بلغت ذروتها في 'مؤامرة الأطباء' عامي 1952-1953، والتحضيرات لعملية ترحيل جماعي محتملة لليهود السوفيت، لم تتوقف إلا بوفاته في آذار /مارس 1953.

دعمت البيروقراطية الستالينية التقسيم في فلسطين في حين اضطهدت اليهود في الداخل، لأن كلا السياستين خدمتا التموضع التكتيكي قصير المدى للدولة السوفيتية على الساحة الدولية. لقد كانت خيانة للجماهير العربية وللطبقة العاملة في المنطقة بأسرها، بما في ذلك الطبقة العاملة اليهودية. في الواقع، ساهمت خيانات الستالينية ومعاداتها للسامية في دفع العديد من اليهود ذوي الميول الاشتراكية نحو الصهيونية.

كان الدعم الشعبي الواسع لإقامة دولة يهودية في أعقاب الفظائع التي تعرض لها يهود أوروبا نتاجاً للهزائم الكارثية التي ألحقتها الستالينية بالطبقة العاملة العالمية، وعلى رأسها هزيمة الطبقة العاملة الألمانية وصعود هتلر، مما أدى إلى المحرقة ونزوح أعداد هائلة من الناجين اليهود. وبموافقتها على إقامة دولة صهيونية، أكملت الستالينية خيانتها للحل الاشتراكي للمسألة اليهودية، وساهمت في خلق كارثة سياسية للفلسطينيين ولشعوب الشرق الأوسط كافة.

وفي فلسطين، لعبت الستالينية دوراً كارثياً بالفعل. فقد كان الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي تأسس عام 1920، منقسماً باستمرار بين أغلبيته اليهودية وأقليته العربية، ممزقاً باستمرار بسبب الانقسامات الفئوية. ووقعت تلك المسؤولية المباشرة على عاتق البيروقراطية الستالينية في موسكو، التي تخلت عن الاستراتيجية الأممية لثورة أكتوبر ونظرية الثورة الدائمة لصالح العقيدة القومية 'الاشتراكية في بلد واحد'. كان الحزب الشيوعي الفلسطيني، مثله مثل كل فصيل من فصائل الأممية الثالثة، خاضعاً لاحتياجات سياسة الكرملين الخارجية المتغيرة.

كان للتقلبات غير المبدئية للسياسة السوفيتية - من إخضاع الأحزاب الشيوعية للقيادات القومية البرجوازية، وتحالفات الجبهة الشعبية مع الأحزاب الرأسمالية، واتفاق هتلر-ستالين، وحلّ الأممية الشيوعية - أثرٌ مدمر على الحزب الشيوعي الفلسطيني. فخلال الثورة العربية الكبرى (1936-1939)، خضع الحزب للجنة العليا العربية باسم دعم الكفاح الوطني، ليُهمّش تماماً عندما سحقت الإمبريالية البريطانية الثورة. وفي الوقت نفسه، تعامل الحزب الشيوعي الفلسطيني مع السكان اليهود ككتلة معادية واحدة، متجاهلاً التمايز الطبقي، ورافضاً توجيه نداء طبقي للعمال اليهود من أجل إعادة تنظيم فلسطين اشتراكًًا. وكانت النتيجة متوقعة إذ انقسم الحزب على أسس قومية.

وقد قدّمت موسكو الأصوات الحاسمة من الكتلة السوفيتية لضمان حصول الجمعية العامة للأمم المتحدة على أغلبية الثلثين المطلوبة بشأن التقسيم. أصبح الاتحاد السوفيتي أول دولة اعترفت بإسرائيل اعترافاً رسمياً، وقدم لها الأسلحة خلال حرب 1948 العربية الإسرائيلية عبر تشيكوسلوفاكيا، ما ساهم بشكل كبير في نجاح إسرائيل العسكري.

ورغم دعم ستالين السياسي لإنشاء الدولة، سرعان ما عادت موسكو إلى توجهها المؤيد للعرب بعد أن اتضح انحياز إسرائيل لواشنطن. ووجد الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي)، الذي أيد قيام الدولة، نفسه مهمش سياسياً.

كان موقف الأممية الرابعة عام 1948 نقيضاً صارخاً للخيانة الستالينية. ففي بيانها 'ضد التيار'، أعلنت: 'ترفض الأممية الرابعة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية باعتباره طوباوياً ورجعياً. وتؤكد أن النبذ ​​التام للصهيونية شرط أساسي لا غنى عنه لاندماج نضالات العمال اليهود مع النضالات الاجتماعية والوطنية والتحررية للعمال العرب'.

لا يمكن حل القضية الفلسطينية إلا من خلال وحدة العمال العرب واليهود في مواجهة الصهيونية والإمبريالية وجميع فصائل البرجوازية العربية، وهذه هي الوحدة التي جعلها إنشاء الدولة الصهيونية أكثر صعوبة.

وكانت نتيجة خيانة ستالين التخبط السياسي وانهيار معنويات الأحزاب الشيوعية في العالم العربي، وتقويض قدرة الطبقة العاملة الفلسطينية على مقاومة التشريد. لقد لعبت دوراً محورياً في خلق الكارثة الدائمة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتي نعيش تبعاتها اليوم بأبشع صورها أي الإبادة الجماعية في غزة.

يتبع.

Loading